Arab Knights

for every body
 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
abuhakem
مشرف
مشرف
avatar

عدد المساهمات : 444
تاريخ التسجيل : 30/11/2007

مُساهمةموضوع: قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......   الأربعاء ديسمبر 24, 2008 8:34 am



قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......

هذا الموضوع منقول من الوعد الحق جمعت فيه مشاركات saaleh فقط .

الكتابات دائما هي كتابات صالح منقولة.


عدل سابقا من قبل abuhakem في الأربعاء ديسمبر 24, 2008 8:50 am عدل 2 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
abuhakem
مشرف
مشرف
avatar

عدد المساهمات : 444
تاريخ التسجيل : 30/11/2007

مُساهمةموضوع: كتابات saaleh منقولة   الأربعاء ديسمبر 24, 2008 8:47 am

abuhakem كتب:


قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......

هذا الموضوع منقول من الوعد الحق جمعت فيه مشاركات saaleh فقط .

الكتابات دائما هي كتابات صالح منقولة.
موضوع جديد...

طبعا.....

موضوع جديد أكتبه كما قلت لكم لأضع فيه خواطر وذكريات... قصص وحكايات.... أنقل لكم بعض المشاعر التي اختلجت في نفسي و بعض الصور التي سمعت فيها نبضات قلبي أو التي ذرف لها دمعي أو قصص أخرى جعلتني أبتسم وأفرح وأرى الدنيا كلها خير وكلها أمل وكلها حياة..

قصص ومواقف... طرفات ... ربما مآسي وربما مفاجآت... قصص حصلت معي منذ ذلك اليوم الذي أحمد الله عليه رغم أنني أتردد بوصفه... هل كان يوما مشؤوما أم سعيدا؟؟؟؟ ذلك اليوم من شهر أيلول سبتمبر سنة 1979 عندما توجهت لمبنى كلية الطب لأول مرة في حياتي وعمري لم يبلغ بعد السابعة عشر... ولم أكن أدري وأنا لازلت في أواخر سني المراهقة أنني أخط مستقبلا وأكتب لنفسي مصيرا قد قدّره الله عليّ...

هي بعض مما رأيت... أحببت أن أشرككم فيه.. لتروا ما رأيت وتعيشوا شيئا مما عشت ثم لتحكموا بأنفسكم ، هل تحسدون الطبيب على حياته ومهنته أم تحمدون الله أن عافاكم منها...

القصة القادمة سأكتبها بعد أن أرى أن إخوتي الفارس وبركة وثائر بدؤوا بتنفيذ ما طلبته منهم في مكان آخر..

إلى لقاء قريب..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
abuhakem
مشرف
مشرف
avatar

عدد المساهمات : 444
تاريخ التسجيل : 30/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......   الأربعاء ديسمبر 24, 2008 9:05 am

abuhakem كتب:


قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......

هذا الموضوع منقول من الوعد الحق جمعت فيه مشاركات saaleh فقط .

الكتابات دائما هي كتابات صالح منقولة.

إخوتي وأخواتي

السلام عليكم ورحمة الله..

أعود لكم ولذكرياتي.. وسأذكر لكم منها شطرا، سيكون الطب محورها... وسأحاول أن أكلم بها نفسي وأفتح قلبي...

الطب يا إخوتي مهنة غريبة فيها الخير والشر، فيها الإخلاص والغش، فيها الفائدة والأذى.....
فيها المتناقضات.. ولكنها مع ذلك تبقى مهنة نبيلة،؟؟... أو ربما يعتبرها الناس كذلك!!!!!... هل الناس محقون في اعتبارهم هذا... لست أدري.... كل ما أعرفه أنني طبيب منذ عشرين سنة... طبيب ، مشيت في درب الطب دون أن أدري.. مشيت فيه وتجاوزت عقبات وعقبات... ولكنني مازلت أرى نفسي في بداية الطريق... ومازلت في خطواتي الأولى.. كيف؟؟؟ سنرى معا وسأسرد عليكم قصتي التي بدأت منذ ست وعشرين سنة... ومتى ستنتهي.... آآآآآآه ، متى ستنتهي...

ما رأيكم يا إخوتي بالطبيب؟؟؟

أما أنا فأذكر نفسي عندما كنت صبيا... أذكر صورة الطبيب في ذهني.. ,اذكر قصصي مع الأطباء..

ربما أول صورة لي مع الطبيب كانت عند ولادتي... لكن طبعا لا أذكرها... فأنا لم أعد أذكر يوم ولادتي كيف كان... ربما لأنه مضى عليه زمن بعيد... فأنا أنسى الأمور بعد مدة من الزمن... أو ربما لأنني كنت صغيرا جدا... كان عمري دقائق فقط طبعا .. ولا عتب على الرضيع ابن الدقائق أن ينسى ويسهو.. خاصة إذا كان مصدوما بمجيئه لهذه الدنيا دون علم مسبق.....

أتيت الدنيا... وكان الطبيب الذي ولّدأمي أمهر طبيب للتوليد في دمشق.. لانني كنت مهددا بالموت على ما يبدو.. لكن الله يقدر ما لا يقدّره ابن آدم....

لم أعد لزيارة هذا الطبيب في حياتي..مع أن مشفاه مفتوح حتى الآن.. ولا زال هذا الطبيب حيا.. ولكنني لا أريد أن أزور من كان مسؤولا عن كارثة قدومي للدنيا مع أنني أحمد الله عليها..

لا أذكر هذه الحادثة ولو أنني بقيت سنين طويلة أسمع تفاصيلها من جدتي رحمها الله.. كانت مصرة على تكرار القصة كلما أحست أنني نسيتها..بتفاصيلها الدقيقة.. ولا أدري هل كانت هذه القصة سببا لخوضي معترك الطب فيما بعد أم كانت سببا أن لا أرهب الطب ولا أحسب له أي حساب في حياتي..

أما أول ما أذكر من الطب فهو ذلك الطبيب الذي أتى لمعاينتي عندما كنت صبيا... كم كان عمري؟؟؟ ربما ثلاث سنوات... قمت بعمل سيء للغاية وأدخلت حبات خرز في أنفي... وأصاب الأسرة كلها الهلع عندما بدأت أبكي... أذكر المشهد كأنه أمام عيني.. والطبيب في المستوصف في الرياض عاصمة السعودية... الطبيب الذي لم يستطع استخراج حبة الخرز التي استخرجتها أمي حفظها الله في البيت...
وانهارت صورة الطبيب في عيني منذ ذلك الوقت.. أحسست أنه إنسان عادي.. وأن أمي تستطيع أن تفعل ما لا يفعله الطبيب...

وهكذا الطفل يا إخوتي.. عندما يدخل في ذهنه أمر لا ينساه طوال حياته.. فكما قال الناس: العلم في الصغر كالنقش على الحجر....

وللحديث بقية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
abuhakem
مشرف
مشرف
avatar

عدد المساهمات : 444
تاريخ التسجيل : 30/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......   الأربعاء ديسمبر 24, 2008 9:21 am

abuhakem كتب:


قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......

هذا الموضوع منقول من الوعد الحق جمعت فيه مشاركات saaleh فقط .

الكتابات دائما هي كتابات صالح منقولة.

لن ألتزم في قصصي يا إخوتي بترتيب أو بفكرة معينة..

سأضع قصصي عن الطبيب...

ربما ألعب ببعضها فأزيده شيئا.. ربما أتخذ من بعضها الآخر أساسا لقصة أضع لها تفاصيل وأخبارا... فاجعلوها في أذهانكم قصصا... ربما من أصول واقعية.. لكنها قصص سأحاول أن أمتعكم بها وأضع بعض الفائدة..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
abuhakem
مشرف
مشرف
avatar

عدد المساهمات : 444
تاريخ التسجيل : 30/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......   الأربعاء ديسمبر 24, 2008 9:26 am

abuhakem كتب:


قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......

هذا الموضوع منقول من الوعد الحق جمعت فيه مشاركات saaleh فقط .

الكتابات دائما هي كتابات صالح منقولة.

الخوف من الطبيب...

كل الأطفال في بلادنا يخافونه... ولا أدري أي فكرة جعلت الآباء يبثون الخوف في قلوب أبنائهم من الطبيب...

أم لعله الخوف الفطري الذي لا يجرؤ الكبير على إظهاره ، بينما يصدر عن الطفل بشكل عفوي مع رهبته من ذلك الرجل ذو الرداء الأبيض وهو يقترب ليلمس جسده الغض.. ثم ليقلبه يمنة ويسرة وكأنه قطعة من الجماد..

كل هذا دون أن يجد الطفل أي حماية من والديه.. وهم الذين يقفون مستميتين لحماية ذلك الجسد الغالي من أن يلمسه أحد، لكن الطفل يشهد أمام عينيه الحائرتين عجز أغلى أحبته، من يستمد منهم القوة والحماية, وهم يتركونه بين يدي ذلك الإنسان الفظ الثقيل.

كم ضايقني خوف الأطفال مني، وأنا الذين أسمع نبضات الفرح والغبطة تصدر من قلبي كلما وقعت عيني على محجري طفل مسلم... وكم حزن هذا القلب وتقطعت نياطه عندما كنت أقرأ في تلك الحدقات البريئة الخوف أو الريبة أو الذعر لأنني طبيب..


تعلمت قبل أن أدخل الطب أن أبتسم لكل طفل تقع عيناه على عيني... مهما كنت حزينا ومهما كانت المشاغل تشغلني... ما إن أنظر لتلك العينين البسيطتين الهادئتين حتى تختفي أحزاني خلف ابتسامة حب وعطف ..

بقيت على تلك العادة بعد تعلمي المهنة ومع ممارستي لها أصبحت أول كلمة بيني وبين أي طفل هي تلك الابتسامة التي أضع فيها كل ما في نفسي من حب للطفل والطفولة..

لحظات خوفهم مني كانت تجرحني وتؤذيني... وسريعا ما كنت أنساها... لكن بعضها ترك في نفسي أثرا لا تمحوه السنين..
وكان بعضها أمضى من السيف البتار.. يقطع الشغاف ويدميه ويبكي العين ويطلق أسر دموعي الحبيسة..

بعض تلك المواقف لا أنساها.. بل أراها شاخصة أمامي مهما ابتعد بي الزمن...

أتت لتعرض علي مشكلة ابنها... هي قريبة من أقربائنا لكنها ليست من الأقربين.. لم أرها في حياتي رغم أنها تقربني بالسن.. أتت تطلب من أمي أن أقبل أن أعطي رأيي بمشكلة ابنها الصحية... فأنا في إجازة لعدة أسابيع أعود بعدها لفرنسا... كان هذا منذ أربعة أعوام...

كان الطفل ذو الأعوام الثمانية يرتجف خوفا ويختبيء خلف أمه... ضاحكته ولاعبته.. ووعدته أن لا أقترب منه طالما يرفض ذلك... اقترب مني بعد لأي... وضعته في حضني وقبلت رأسه.. وأحسست أن قلبي يعتصر أسى عليه... رأيت نتائج الفحوص المخبرية وليتني ما رأيتها... وماذا أقول لأمه.. وكيف أخبرها أنه سيحتاج لغسيل الدم بعد شهور على أبعد الاحتمالات.. وكيف أكتب لها العلاج وهو ذو كلفة تفوق استطاعة أي إنسان في بلادنا حتى الأغنياء منهم... ذلك الطفل البريء الجميل.. وقد بدت عليه أعراض مرضه واختلاطاته... وكأنني أري ما ستؤول إليه الأمور بعدشهور أو سنة...

بكي ثانية عندما طلبت منه أن يسمح لي بفحصه.. وبكى معه قلبي.. ولو لم أكن الطبيب الذي يقف أمام أم الطفل لتركت لتلك المحاجر العنان حتى تسيل الحبائس وتخرج الآهات.. تصبرت وتجلدت.. ولا أدري هل فضحني صوتي أم استطعت تصنع الهدوء.... قلت لها أنه في وضع متقدم من المرض لكن الأمل موجود في تدارك الأمر.... وحاولت أن أفهمها أن القصور التام سيأتي حتما.. وأنه يجب العمل للعلاج المكلف الطويل الأمد...

ونظرت لعيني صغيري هذا... الخوف والترقب... ولا بد أن قلبه الصغير قد فهم أن الأمر خطير... فانفعال أمه أقلقه...
والخوف صار يصدر من عينيها مع عينيه ، فيزيدني حزنا وغما..

سألت عن مريضي الصغير هذا بعد سنتين فأخبرتني أمي أنه قد توفي... لم تستطع أمه أن تتحمل نفقات العلاج وأخبرها بعض الأطباء عديمي الضمير أنه سيتحسن دون علاج لتسر بما يقولون وتأتي به للعيادة عندهم المرة تلو المرة فتسمع كلمات الطمأنينة والتخفيف وتدفع الكشفية وتمضي دون أن تعلم أن الحالة تتفاقم يوما بعد يوم زما إن وقع في اختلاط خطير إلا وكان السيف قد سبق العذل..

لازالت نظرته في مخيلتي ودموعه أمام عيني... ولا زلت أشعر بجسده البريء جالس على ركبتي وأنا اتبسط معه ليذهب عنه الخوف..

تمنيت يومها لو أنني ما عرفت هذه المهنة أبدا.. ولا قابلت ذلك الطفل في تلك الظروف.. فلا أرى نظرات الجزع في عينيه ولا يجزع قلبي معه ومع كل طفل يخاف مني لأنني طبيب...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
abuhakem
مشرف
مشرف
avatar

عدد المساهمات : 444
تاريخ التسجيل : 30/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......   الأربعاء ديسمبر 24, 2008 9:29 am

abuhakem كتب:


قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......

هذا الموضوع منقول من الوعد الحق جمعت فيه مشاركات saaleh فقط .

الكتابات دائما هي كتابات صالح منقولة.

فتحت صفحة الردود... ونويت أن أضع موقفا جديدا...

تزاحمت الصور في ذهني... وأخذت المواقف تتدافع، فلا أدري أيها أضع وأي شعور من المشاعر التي تلاحقت في نفسي أنقل لكم.... مشاهد الأسى؟؟ أم مشاهد الفرحة... أم مشاهد أخرى امتزجت فيها المشاعر لتنقلني من الحزن إلى الغضب إلى الثورة...

لا أدري لماذا لا أكاد أذكر موقفا إلا حزينا.... أهو ذلك المكان الذي يأخذه الحزن من نفسي فيتربع فيه فيمحو كل مكان آخر... أم هو الطبّ الذي لا يعرف إلا الحزن والأسى... وهل مع الأمراض إلا الحزن على المريض.. وهل في ممرات المشافي إلا المآسي..

أي قصة أرويها لكم....

كم تمنيت لو أنني تعلمت مهنة أخرى... بقيت فيها بعيدا عن الآلام والمعاناة ونظرة الحزن من الناس ... بقيت فيها في بلدي فلم أتغرب وأبتعد... ثم لطالما ذكرت لحظات كانت مهنتي لي أو لغيري نعمة وعطاء.. فأعود لأحمد الله على ما حباني من هذا..

تطول علاقة الطبيب مع مريضه.. وتزداد حتى تصبح متينة قوية... وعند كل زيارة جديدة يعود فيها المريض طبيبه تنبت أواصر العلاقة وتتشعب... علاقة غريبة... فيها طرف ضعيف حزين يبحث عن الأمل بعد يأس وعن الراحة بعد الألم... ينظر بريبة وخوف ورجاء إلى الطرف الآخر الذي يبدو وكأنه يستمد بركة من الخالق العليم.. يستخدم السنن والقوانين الربانية ليعطي المريض ما يطلب.. هالة كبيرة للطبيب تحيط به فتعطيه صورة غريبة ثعبة معقدة.... لكن الزيارات والعيادات تكسر الحواجز شيئا فشيئا.. حتى يبدأ المريض يرى في طبيبه الإنسان العادي البسيط الذي يغضب ويخطئ ويحزن..

كتب الله علي أن أتخصص بمجال يجعلني أرافق المريض سنين طويلة... حتى أكاد أعايشه لحظة بلحظة... ومع كل زيارة جديدة كان المرضى يجدون أنفسهم أكثر راحة ومعرفة بي... فتتغير النظرة وتزاد الأحاديث ليونة وهدوءا..

جلست مرة مع أحد المرضى نتخيل... لو أن الله خلق الدنيا دون أمراض..
الإنسان يعيش ثم يموت عند انتهاء عمره,, ولا يوجد أي مرض أو مشاكل صحية...
بدأنا نتخيل أي صورة كانت الحياة ستأخذها.... كم من الأموال تتوفر لأعمال أخرى وكم من الانجازات سيقوم بها ملايين المرضى العاطلين عن العمل وكم من المباني ستتوفر للقيام بأمور أخرى..

ثم سألني مريضي... وأنت يا دكتور؟؟؟؟ ماذا كنت ستفعل...

لم أدر ماذا أجيبه... لكنني للحظة شعرت أنني أعيش حلما جميلا.... دنيا بلا مرض... وما ذا يهمني عندها أيا كانت مهنتي...فلاح ربما... أزرع الأرض وأراها تنبت الشجر والخضرة... أو ربما معلم للأطفال.. وما أحلاها من مهنة..

لكن المرض يبقى ابتلاء من الله تعالى... للمرضى وللأصحاء... ويبقى أكبر ابتلاء للأطباء قبل كل الناس...

وتبقى تلك الصورة الجميلة حقيقة لكن الله ادخرها لنا ليوم أخر ومكان آخر.... جنة عرضها السماوات والأرض لا مرض فيها ولا تعب ولا جوع ولا همّ... وسبحانه من حكيم عليم.... والحمد لله على الداء وعلى الدواء...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
abuhakem
مشرف
مشرف
avatar

عدد المساهمات : 444
تاريخ التسجيل : 30/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......   الأربعاء ديسمبر 24, 2008 9:31 am

abuhakem كتب:


قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......

هذا الموضوع منقول من الوعد الحق جمعت فيه مشاركات saaleh فقط .

الكتابات دائما هي كتابات صالح منقولة.

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،


أعود لكم يا إخوتي
لا أدري يا أختي الفاضلة زهرة النرجس إن كنت فعلا سأفعل ما فعلت لو عدت بالزمن للوراء.. لا أستطيع أن أقول أنني مستاء من مهنتي فقداستطعت أن أصل فيها لدرجة جيدة يتمناها الكثيرون... وحققت الكثير مما أعتبره إنجازات جيدة ومفيدة لي ولأحبابي.. ولكنني أستطيع أن أؤكد أن الصورة التي كانت في ذهني عن هذه المهنة ليست الحقيقة التي عايشتها... والأطباء الذين عاشرتهم وامتزجت بمجتمعهم بعيدون كل البعد عن الصورة التي يرسمها الناس للطبيب.. وقد أثار هذا عندي الكثير من الأسف والضيق..

لن أروي لكم في موضوعي هذا يا إخوتي قصصا عن حالات مَرَضية.. فلستم أطباء ولا طلاب طب... سأروي لكم قصصا اجتماعية ومواقف أريد لكم أن تشاركوني فيها مشاعري وأحاسيسي..
أريد أن تروا معي أن الطبيب يواجه مواقف وحالات أقوى منه وقد يرى قصصا تضعه أمام خيارات صعبة لا يدري فيها أي اتجاه يأخذ... قرارات لا علاقة لها بالطب... وإلا لكان القرار سهلا سريعا..

مناوبات الطبيب يا إخوتي قطعة من العذاب.. خاصة عندما تكون في قسم الإسعاف في مشفى كبير..
المرضى يتوافدون بالعشرات... والملفات كلها جديدة أمام الطبيب.. تحتاج منه أن يبني فيها كل شيء... أن يبني جدران القصة المرضية ويضع الفحص السريري.. واستنتاجاته وطلبات الفحوص المخبرية والعلاج المطلوب ثم عليه أن يتأكد أن كل شيء يسير على ما يرام بعدها.. فلا ينسى مريضا فحصه منذ ساعتين دون أن يرى نتائجه وتقدم العلاج... ويطلب آراء الأخصائيين في الاختصاصات الأخرى إذا احتاج الأمر..

والمرضى في الإسعاف يا إخوتي يكونون بحالة سيئة.. فلا يأتي بالمريض إلى المشفى إلا عدم تحمله للوضع الذي وصل له وطلبه للحلّ والعلاج بأقصى سرعة..

أما نماذج المرضى فتتراوح بين المثقف الواعي الأديب المهذب والجاهل الوقح المتسلط الذي يشتم الطبيب وكل من حوله..
تعلمت كيف أضع حدود التعامل مع المرضى.. وكيف أفتح لهم الأبواب ليتكلموا بالاتجاه المطلوب دون أي تمادٍ أو شطط..

لكنني وجدت نفسي في بعض الأحيان حائرا كيف أفعل..


في مناوبة لي عندما كنت مقيما أتت فتاة مراهقة.. لم أعد أذكر عمرها,, 16 أو 17؟؟؟ تريد أن أجد لها الحل...

أما مشكلتها فهي لإدمان..
مدمنة على الهيروئين..

لم تعد تستطيع ان تتحمل ما هي فيه...
لم تعد تطيق العذاب والمعاناة الشديدة عندما تتقطع ألما حتى تحصل على الجرعة الجديدة..

لا تظنوا أنها بنت مهملة أو أن أهلها من مستوى متدنِ... أبدا... كانت في دراستها من المجدات.. وأهلها من الطبقة المتوسطة... ولكن سهرات شباب هذه البلاد ورحلاتهم تجعلهم يهرمون ويزداد عمرهم عشرات السنين في بضع أشهر..

طلبت لها طبيب الأمراض النفسية.. وظننت أنني انتهيت منها وهممت بمغادرة الغرفة... وفجأة بدأت تتكلم.. وتحكي لي قصتها بالتفصيل..

وجدت نفسي كمن أثبتته المسامير في مكانه... ولم أعد قادرا على الكلام... وصارت كلماتها تدخل سمعي تباعا فتزيدني غما وألما..
أول جرعة... وثاني جرعة... ثم البحث عن بائع الجرعات... والهروب من البيت المرة تلو المرة لتلتقي بمجموعة الشر والانحراف التي أودت بها بعيدا...
بكاء أمها وحزن إخوتها وغضب أبيها... ثم كان الأسوأ... الحصول على ثمن المخدرات...
في البداية كان مصروفها الشخصي... لكن أنّا لبضع دريهمات أن تفي بالأثمان الخيالية لجرعات الهيروئين...

المشفى أول مرة ثم الهرب منها... ثم بدأت تسرق..
سرقت مجوهرات أمها.. ونقود أبيها وبطاقة الائتمان الخاصة به... ثم بدات تسرق من الأقرباء والأصحاب..

ومن يبدأ بالانحدار لا يتوقف... والنهاية المعهودة لأقرب طريق للوصول إلى النقود... العهر.... بدأت تبيع نفسها..

لم أعد أقدر أن أسمع كلمة زيادة عن هذا.. وجدت نفسي أخرج مسرعا من الغرفة... لم أعد أرى أو أسمع حولي... ولم أدركيف وصلت إلى غرفتي.. وجلست ونبضات قلبي تعلو والغضب والحنق يكاد يقتلني..
شعرت أن دمائي تغلي... وأن رأسي سينفجر... تصورتها واحدة من البنات المسلمات... أو أنها.... لا أجرؤ... لا أجرؤ أبدا أن أقول ما فكّرت له.. فلا زالت تلك الفكرة تجمد الدماء في عروقي ويقشعر لها جسدي رغم مرور خمس عشرة سنة على القصة.....
كيف تصل الدنيا لهذه الدرجة من الإسفاف..
كيف يدعي المجتمع أنه يحمي الأطفال وتجار المخدرات يجدون بين هؤلاء الأطفال التربة الخصبة لكل أرباحهم... كيف..

وكيف يترك الآباء بعض أبنائهم ليذهبوا ليمضوا السهرات والزيارات عند من لا يعرفون دينه وخلقه.. حتى إذا وقعت الكارثة عض الآباء أصابعم... ولات حيث مندم..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
abuhakem
مشرف
مشرف
avatar

عدد المساهمات : 444
تاريخ التسجيل : 30/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......   الأربعاء ديسمبر 24, 2008 9:35 am

abuhakem كتب:


قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......

هذا الموضوع منقول من الوعد الحق جمعت فيه مشاركات saaleh فقط .

الكتابات دائما هي كتابات صالح منقولة.
منذ ثلاث سنين تقريبا عادت الانتفاضة لتشتعل وعادت القلوب لتنبض مع نبض الحجر... والنفوس لتحيا مع أنين شجر الزيتون في ربوع الجليل وروابي بيسان..

منذ ثلاث سنين تفجر الغضب الكامن ليسطر ملاحم من البطولة لم تشهدها الدنيا ولم يعرفها التاريخ... كتبتها الأيدي المضرجة بالدم الطاهر على جدران مجدل ونابلس وبيت لحم وفي أزقة جنين وغزة..

وفي نيسان سنة 2002 حاصرت قوة البطش وجبروت الطغاة ثلة الأشاوس الكرام في مخيم جنين لتكون الملحمة العظيمة التي جعلت الدماء كالطلقات ونبضات القلوب كنيران المدافع تنسحق تحتها الدبابات وتندحر خلفها جحافل الصهاينة..

أيام كانت سوداء أليمة...
كنت أعود من عملي لأرى على شاشة صندوق الدنيا مواقف إخوتي الشجعان.. فلا أملك إلا الغضب والدعاء والصبر والتصبر... ولا حول ولا قوة إلا بالله..

قصة جنين علمتني الكثير عن الأطباء...هؤلاء الذين يظنهم الناس في أعلى الطبقات...

قصة جنين علمتني أن الكثير من هؤلاء الأطباء المترفين المنعمين الأغنياء، ليسوا إلا أنذالا خسيسين.. لا يفكرون إلا بالمال والمتعة.... علمتني قصتي مع جنين أن من الناس من نظنهم في أعلى مستوى العلم والفهم ، مزاودين عند كل مناسبة.. لكنهم أسرع لموائد الفاكهة واللحوم منهم لمبدإ يدّعون العمل له... حتى لو كان الثمن بضع دريهمات..

صادفت مذبحة جنين مناسبة سعيدة لي.. وهي ظهور نتيجة مسابقة العمل ونجاحي بها.. وكان معنا في المشفى أكثر من 23 طبيبا من أصل عربي وأغلبهم مسلمون.. كان منهم إثنان من أصل فلسطيني... والباقين بين سوري ولبناني ومغربي وجزائري..
كان موضوع الناس فيما بينهم أحداث جنين... وكانوا كلهم كرماء في أفواههم... قادرين على بيع آلاف الجمل والعواطف..
وأصرّ صديق لنا أن يقيم احتفالا لمن نجح منا في هذه المسابقة... كان الناجحون 13طبيبا.. وأقاموا الاحتفال في مطعم مغربي أعرفه وأعرف صاحبه.. لم أكن أرغب بالمشاركة.. فأي احتفال هذا وإخوتنا في جنين البطلة يتمزقون تحت الرصاص.. لكن أخ فلسطيني طبيب اقترح أن أشارك وأن أطلب من الجميع أن يتبرع ببعض المال لجنين..

تكلمت مع منظم الاحتفال وهو أخ مسلم حبيب مغربي فوجدت منه إقبالا على الفكرة فذهبت للمطعم مرتديا كوفية فلسطينية.. وجلست مع الجميع حتى اكتمل العدد وقبل بدء الطعام وقفت ووجهت إليهم كلماتي التي ظننتها ستدخل لمسامع عرب أعزّة ، عندهم من الشهامة ما يجعل عواطفهم تتحرك أو على الأقل عندهم من الشجاعة ما يجعلهم يقابلون كلماتي ببعض الإقبال والتعاطف.... لكن أملي خاب وصدمني تذمر الجميع مني واعتباري مزعجا أتيت لأفسد عليهم عشاءهم.. مع أنه تربطني بكل واحد منهم على حدة علاقة صداقة تمتد لعدة سنوات...

مددت يدي لجيبي وبدأت أخرج أوراق النقد... أضع الورقة تلو الورقة... ليعلموا أنني أول من سينفذ ما يقول... وما طلبت منهم المشاركة إلا بأقل من عُشر راتب احدهم لشهر واحد... خاب ظني.. بل عنفني بعضهم وغضب مني فجلست مدة بسيطة ثم غادرتهم غير آسف...
تعلمت أن أحداث جنين لم تنزع الأقنعة عن أنظمة ودول فقط.. بل نزعت الأقنعة عن الناس بل عن كثيرين كانوا يظنون أنهم سيبقون في الخفاء دوما... عن هؤلاء المنافقين الذين كانت صورتهم الزائفة تنتظر حتى تأتي دماء الأحرار من جنين لتزيلها عن وجوه هؤلاء المثقفين العرب ليظهروا بوجوههم الحقيقية التي هي أقبح من وجوه الصهاينة..


عاد بعضهم ليعتذر مني بعض أيام لموقفه وسلبيته.. وادعى بعضهم أن موقفه كان بسبب وجود مندوبة أحد شركات الأدوية معنا أو لأن صاحب المطعم غضب من موقفي... مع أن صاحب المطعم أتى عندما كنت مغادرا ليدفع 50 يورو يرجوني أن أوصلها للمنظمات الانسانية التي تقوم بعمليات الإغاثة ، أما مندوبة شركة الأدوية فقد أتت بعد أسبوع ووضعت أمامي شيكا بمئة يورو فأرسلته إلى الإغاثة الإسلامية..

بوركتِ يا جنين .. يا صانعة الأبطال... ويا حارقة الأقنعة... يا معلّمتي.. فقد تعلمت منك ومن أبطالك الكبار دروسا لم أظن أنني سأتعلمها يوما..بوركتم يا أبناء فلسطين يا إخوتي ... رافعي مجدي ومجد بلدي...

ولا أملك لكم إلا الاعتذار....
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
abuhakem
مشرف
مشرف
avatar

عدد المساهمات : 444
تاريخ التسجيل : 30/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......   الأربعاء ديسمبر 24, 2008 9:37 am

abuhakem كتب:


قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......

هذا الموضوع منقول من الوعد الحق جمعت فيه مشاركات saaleh فقط .

الكتابات دائما هي كتابات صالح منقولة.
إخوتي وأخواتي
السلام عليكم ورحمة الله

أعود لكم وأعتذر عن التأخير... فرغم أنني أجد الوقت الكافي للمشاركات إلا أنني لا أجد الرغبة دوما أن أكتب كلمة واحدة ... فلا نجد في ظروفنا ما يدعو للتفاؤل أو الانشراح، والغم والكمد والغيظ هو ما نعيشه كل يوم للأسف...
كما قلت لكم يا إخوتي، فأنا لا أكتب هنا قصصا طبيّة ولكني أحب أن أضع لكم شذرات متفرقة ممما رأيت في عملي الطبي من مشاكل وقصص وطرائف وتجارب ، كلماتكم عن فلسطين ذكرتني بموقفي مع الأطباء يوم مذبحة جنين فكتبت قصتها....

أما ما أكتبه لكم اليوم فهو أمر أراه كل يوم في هذا البلد الغربي... وهو قليل في بلادنا والحمد لله..

مررت اليوم في الزيارة الصباحة مع الطبيبة المقيمة ، قدّمت لي أحد المرضى الجدد ، عمره خسمون عاما لكنه مصاب بعته متقدم وتخلف عقلي شديد منذ أكثر من عشر سنوات .. أما سبب هذا العته فهو الإدمان على الكحول... تصوروا يا إخوتي أنه كان مدمنا في شبابه لدرجة تخريب خلايا الدماغ وضموره... وهو مُقعد تماما وكأنه قطعة من الصخر المرمي على السرير. متصلب الأطراف فارغ النظرة قد سال لعابه على ذقنه وتموّت كاحلاه ونهايات أصابع أقدامه.. هزيل لا يُرى على عظامه إلا طبقة الجلد... وفي فرنسا يا إخوتي يصبح هؤلاء المرضى مهجورين من عائلاتهم تماما ولكن الدولة تهتم بهم وتقدم لهم العناية حتى آخر لحظة..حوقلت واسترجعت وسألت الله العافية ..

تابعت زيارتي فدخلت غرقة أخرى لأرى مريضة جديدة عمرها أربعون عاما ، قصور كلوي شديد ونقص تغذية وهزال مع كآبة وقهم عصبي... تأكل بضع لقيمات ثم تتقيؤهم... وتكاد تكون أقرب للموتي منها للأحياء... والسبب هو الكحول... مدمنة على الخمر منذ سنوات...
تصوروا يا إخوتي أن الكحول من أكبر مصادر الكوارث في بلاد الغرب... ليس فقط كوارث صحية بل اجتماعية ونفسية واقتصادية..

جرائم قتل وعُهر وحرائق وفساد تام للعائلات تحصل بسبب إدمان أحد الأفراد على الكحول...
ولا نكاد ندخل قسما للأمراض النفسية ( وهي أكبر الأقسام في كل مشافي فرنسا) أو قسما لأمراض الكبد والهضم ، إلا ونرى أن الكحول هو سبب المرض عند أكثر من نصف المرضى ..

تصوروا يا إخوتي أن الدنيا تقوم ولا تقعد على التدخين... الحملات المضادة لا تتوقف وهذا من أمور الخير طبعا.. ولكنه لا يسبب عُشر الكوارث التي يسببها الكحول.. لكن الدول الغربية لا تنبس ببنت شفة عن أضرار الكحول أو دعوة الناس للتخلص منه..

هذه البلاد يا إخوتي قائمة على النفاق.. لا يقولون كلمة الحق ولو كانت في مصلحتهم... تعلقهم بالمتعة يمنعهم من مجرد ذكر ضرره حتى لمجرد التذكير.. ولا نجد طبيبا فرنسيا مهما كان منصفا ومحايدا إلا ويتضايق ويشعر بالإحراج إذا وجد نفسه أمام سؤال خاص بأضرار الكحول.. والأسوأ أنهم يقومون أحيانا بالدعاية له... الأطباء أنفسهم.. فمنذ عشر سنوات قام الأطباء في مدينة بوردو المشهورة بصنع النبيذ بنشر دراسة تقول أن النبيذ يفيد في أمراض القلب وينقص احتمال الإصابة بنقص التروية ، وهذه الدراسة رغم أن كل الأطباء قالوا صراحة أنها مكذوبة تماما وليس لها أي علاقة بالبحث العلمي إلا أنهم لم يجرؤوا على نشر مقال صريح يقول أنها مكذوبة حتى لا تقوم الدنيا عليهم لاعتبارهم يهاجمون الكحول..

مبدؤهم حب الدنيا ومتعتها... وهو في تعلقهم في هذه الدنيا لا يعلمون أنهم يخسرون الدنيا والآخرة...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
abuhakem
مشرف
مشرف
avatar

عدد المساهمات : 444
تاريخ التسجيل : 30/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......   الأربعاء ديسمبر 24, 2008 9:39 am

abuhakem كتب:


قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......

هذا الموضوع منقول من الوعد الحق جمعت فيه مشاركات saaleh فقط .

الكتابات دائما هي كتابات صالح منقولة.
في قاعة فسيحة اجتمع اليوم ظهرا مئة وبضع المئة من الرجال وعائلاتهم.. نساء وأولادا.. قد اختلفت الأعمار والأسماء.. لكن أمرا واحدا جمع هؤلاء العشرات من الرجال والنساء والأطفال ... كلهم من الشام.. وكلهم ينشد بعض الملامح من عيد الشام ليعيشها مع بضع أهله هنا في غربتنا المريرة.. عسانا ننقل الحب والشوق وصورة الشام لأولادنا.... ننقلها مع الحنين لهذا التراب... ننقلها ونحاول أن نتجنب إظهار المرارة في قلوبنا.. ننقلها مع ابتسامة نخفي خلفها الحزن الدفين ونكتم فيها دمعة حرى..
تصنعنا أننا في الشام.. أنشدنا الأناشيد وسرد بعضنا النكات والطرائف الشامية وضحك الجميع وأكلنا وشربنا وبقينا يومنا في هذا المطعم المنعزل الكبير بين الحقول الفرنسية المترامية الأطراف... يلعب أولادنا تحت أشعة الشمس الضعيفة ونجلس بعضنا بجانب بعض نحاول أن نتذاكر أيامنا ونتبادل أخبارنا..

بعضنا أتى من بعيد ربما بضع مئات من الأكيال.. ليس إلا ليمضي هذه الساعات الست مع إخوة يعرف بعضهم ويجهل بعضا آخر .. لكن القلب يعرف الوجوه ويتحسس الملامح.. ملامح أهل وأحبة.. أتوا من دمشق وحماة وحمص وحلب وبانياس والجزيرة... كلهم في غربة مريرة لا يعلمها إلا الله... قد حملوا أولادهم يحاولون أن يروهم أنه يوجد هنا في قلب فرنسا آخرون مثلهم.. يتكلمون العربية ويعرفون الشام وأهل الشام ويفرحون برؤية أهلهم وأحبابهم..

أمسك أحد الإخوة الأحبة بمكبر الصوت وسألنا: ماذا يعني لكم العيد..

بدأ البعض يجيب.. العيد هو الفرحة... العيد هو طاعة الله... العيد هو عبادة... العيد هو صلة الرحم... العيد... العيد..
طلب مني أحدهم أن أتكلم فرفضت... وكيف أتكلم فأفسد عليهم ابتسامتهم الحزينة وسعادتهم الكسيرة.. ولو تكلمت لبكيت وأبكيتهم....

عدت لبيتي ... فتحت كعادتي صفحات إخوتي فوجدت كلمات من القلب يقولها إخوة مكانهم في القلب... فوجدتني أكلم نفسي وأسألها : وما العيد يا نفسي....... ما العيد... ولماذا هذا الحزن الدفين واللآهة الجريحة التي خرجت من أعماق الأعماق... ثم وجدتني لا أنتظر من نفسي الإجابة .. فعبراتي المسرعة جرت على أخدودها القديم لتفضح عيدي .. عيدي الحزين... وهل العيد إلا عيني أمي ووجوه أطفال أهلي وبلدي... هل هو إلا قاسيون وبردى والعاصي.. وهل أهازيجه إلا عنين النواعير وصيحات الأطفال وأصوات الباعة في سوقنا القديم...
هل العيد إلا مآذن الشام وقبب المساجد وصوت المؤذن وجدران البيوت..
أين أنت يا عيد... أين أرجوحتي وأين رفاقي وأين أهلي وأحبابي... وأين قروش العيدية من أبي الحبيب التي كنت أنتظرها وكأن الدنيا قاطبة ستوضع في يدي..

أين أنت يا عيد... لم يبق لي منك إلا وجوه إخوتي البريئة في هذه الغربة ووجوه أولادهم الأحبة.. وتلك السويعات التي أقضيها معهم أمضي ساعات لأصل إليها ولا تبدأ حتى تنتهي...


عيد بأية حال عدت يا عيد... بغربة تنثر الأحزان وتسود

بحرقة القلب والأيام مسرعة ... بما مضى أم لأمر فيك تجديد....
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
abuhakem
مشرف
مشرف
avatar

عدد المساهمات : 444
تاريخ التسجيل : 30/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......   الأربعاء ديسمبر 24, 2008 9:41 am

abuhakem كتب:


قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......

هذا الموضوع منقول من الوعد الحق جمعت فيه مشاركات saaleh فقط .

الكتابات دائما هي كتابات صالح منقولة.
سأعود للموضوع..

سأعود رغم أنني أدخله قي كل مرة أدخل فيها المنتدى... أفتح نافذة الرد ثم أعود فأغلقها..

هذه المرة لن أغلقها.. من حقكم عليّ أن أكتب بضع كلمات..

لماذا أغلق الموضوع كل مرة دون أن أزيد فيه..
لأنني أبدأ بالكتابة... أجد نفسي أكتب عن الصور الحزينة التي رأيتها... عن هذا المخلوق الضعيف الذي اسمه الإنسان... الذي يتكبر ويتجبر.. حتى يظن نفسه أعلى من السماء.. هذا المخلوق الذي أراه في عملي ضعيفا.. مهانا... مجروحا في كبريائه وشخصه... لا يمر في ذهني إلا تلك القصص التي رأيت فيها هذا الشبح الذي نخافه كلنا وننفر منه داعين الله أن يبعده عنا.. شبح المرض... وشبح الموت...

لن أكتب لكم قصص هذا الشيح ياإخوتي... قصص يزدحم بها ذهني... وكلما أردت أن أكتب ألحّت علي تطلب أن تخرج فأنتفض مغاضبا هاجرا للموضوع ومافيه...

لن أكتب فيه حتى أرى صورا أخرى أضعها لكم فيه


فسامحوني..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
abuhakem
مشرف
مشرف
avatar

عدد المساهمات : 444
تاريخ التسجيل : 30/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......   الأربعاء ديسمبر 24, 2008 9:43 am

abuhakem كتب:


قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......

هذا الموضوع منقول من الوعد الحق جمعت فيه مشاركات saaleh فقط .

الكتابات دائما هي كتابات صالح منقولة.
هل سأكتب عن لحظاتي الصعبة...



كم هي صعبة هذه الحياة... بحلوها ومرها... كم هي صعبة.... ما كنت أظن أن حياة الطبيب ستعرضه لمواقف صعبة...


دخلت كلية الطب وأنا أظن أنني تجاوزت المصاعب وانفتحت أمامي الأبواب... سأكون طبيبا... بكل ما تحمل هذه الكلمة من هالة في ذهن ذلك المراهق ذي الستة عشر وأشهر.. لكنني اكتشفت مع الأيام أن السهلة منها قد فاتتني... أن الحياة الهادئة الرغيدة قد تركتني أمضي وحدي وأن الأيام بدأت تكشر عن أنيابها لتريني بابتسامتها الهادئة أنهاليست كما كنت أظنها أبدا...


قد أعود لأيام الدراسة وصعوبتها... أيام كانت وبقيت أصعب أيام مرت على جيل من أجيال بلدي الحبيب خلال قرن كامل... أيام رأينا فيها أنا وجيلي ما لم يرَ أحد من قبل منذ استقلال سوريا حتى هذه اللحظة..


قد أعود لأيام الدراسة ومرارتها....

وقد أعود للاختصاص والغربة.... أيام كنت فيها أسير خطواتي على الجمر.. ولا أدري هل سأسقط فأضيع أم سأمضي على حرارته وحريق النفس...



قد أعود لأيام الخدمة التي مررت بها في قطعات الجيش وما رأيت فيها من أحداث...


وقد أترك كل هذا وراء ظهري غير آسف وأرسم صورا وردية عن حياة الطبيب واحترام الناس للطبيب ولذة العيش للطبيب والمال الذي يجري بين أنامل الطبيب...


قد أعود وقد لا أعود......

لست أدري.....
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
abuhakem
مشرف
مشرف
avatar

عدد المساهمات : 444
تاريخ التسجيل : 30/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......   الأربعاء ديسمبر 24, 2008 9:45 am

abuhakem كتب:


قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......

هذا الموضوع منقول من الوعد الحق جمعت فيه مشاركات saaleh فقط .

الكتابات دائما هي كتابات صالح منقولة.
إخوتي وأخواتي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أعود لكم لأكتب.. سأكتب وسأبدأ بلحظة صعبة... عصيبة.. مررت بها غصبا عني... لحظة منعني فيها المريض والقانون أن أتحرك

مريض قد شارف الخمسين.. قد حمل على عاتقه تاريخ مرض عضال بقي يصارعه عشرين عاما.. مهندس فرنسي يملك بيتا وعنده ولدين..يعمل في شركة معروفة بمنصب جيد..
رأيته عدة مرات فلم أكن المسؤول عن ملفّه.. لكن مرضه المزمن وتردده على زميلي المرة تلو المرة جعلت الجميع يعرفه.. فحصته مرات عند غياب زميلي.. وتوطدت صلته بالأطباء كما تتوطد الصلة مع الزمن بين كل الناس.. صار يعرفنا ونعرفه... ونعرف أخباره وتفاصيل حياته..

توالت الاختلاطات في مرضه... مزعجة مؤرقة.. لكنها كلها لا تضع حياته بالخطر أو تهدد بكارثة..
أتى ذلك اليوم من أجل اختلاط جديد... بسيط سهل العلاج.. ولكنه يستلزم المكوث في المشفى بضع لأيام.. عرفت لأنه رفض البقاء وغادر المشفى دون أي تفسير وهو أمر غريب مستهجن من مريض واع مثله جعل الجميع يحتار لتمرده المفاجيء على رأي الطبيب وتوجيهاته

كنت غائبا ليومين بعدها وعدت لأتسلم مناوبتي في عطلة نهاية الأسبوع...

جلست في غرفة الأدوية والملفات أسجل ملاحظات على المرضى بينما يقوم زميلي بتلخيص حالتهم ثم ذكر لي اسم مريضنا هذا قائلا: لا تفعل شيء.. دعه يموت.........

ظننته يمزح فابتسمت معترضا... لا يحق لنا أن نمزح هكذا يا زميلي العزيز فتمرد المريض لا يعطينا الحق بالسخرية من حياته..
قال لي: أبدا... أنا لا أمزح.... عاد المريض للمشفى و طلب الدخول دون تقديم العلاج فهو يريد أن يموت في المشفى.. وأنت تعرف أن حالته تسير به للموت إذا لم يتناول العلاج بشكل منتظم كما هي الحال منذ سنين.. وهو يرفض هذا العلاج ويريد أن يموت...
رأيت الدنيا تنقلب للون الأسود..
كيف هذا... وكيف أكون مسؤولا عن إنسان سيموت أمامي...
قال لي: كل الأوراق قانونية وقد قام بترتيب كل أموره مع زوجته ومع المسؤولين ولا يحق لنا أن نمنعه من الموت ولا أن نجبره على تناول العلاج..

فهمت أن الأمر جدي تماما وأن المريض سيموت... توقفت وتركت زميلي وأسرعت لغرفة المريض...
إلـى أي مدى يحق لي أن أسعى به لتغيير رأيه... فهو ليس مسلما ولا ينفع معه المنطق الغيبي.. وعو مقتنع بما يريد.. وكلماتي لن تغير من موقفه ولكنها قد تزيده معاناة وعذابا...وهل يحق لي هذا حتى مع الكافر.. هل يحق لي تركه يموت... وهل يحق لي أن أحاول أن أثنيه عن مراده بوسائل قد تجعل معاناته أضعاف ما هو فيه؟؟ أي كلمة يمكنني قولها.. وأي فكرة أستطيع طرحها..

كلمته لساعات.. كان مستمعا صابرا لكنه كان ينتهي بمنتهى اللطف طالبا مني أن أتوقف عن تعذيبه دون فائدة؟؟

مضى يوم الجمعة..
منعني يوم السبت من فحصه كأنما يريد أن يخفف عني ألمي...أخفى رجفان يديه وحشرجة أنفاسه.. وقابلني بابتسامة هادئة...
اجتمع حوله أقاربه... زوجته وأخته وزوج أخته أما الأولاد فلم يحضروا..
تحدثت مع الجميع دون طائل.. فالقرار قراره وهو لا يريد أن يبقى ليجد نفسه يوما مقعدا عالة... يريد أن يموت وهو مازال إنسانا عاديا يملك كل إمكانياته.. وقد شعر أنه وصل للنقطة الحرجة التي يجب أن يغادر الدنيا عندها..
جلست أبتهل لله.. اللهم أطل عمره وخفف عنه وأبعدني عن هذا الموقف..
صباح الأحد.. الكل حوله.. والممرضات تبكين.. وتوقف القسم عن العمل... تكلمت مع الممرضات وحاولت أن أشد من عزيمتهم... فعشرون مريض ينتظرون العناية بهم في باقي ِالأسِرّة ويجب أن نخفي هذا عن الجميع..

تابعت زيارتي .. وصلت لغرفته... ابتسم لي سائلا بصوت خافت... ألا تساعدني على مغادرتكم يا دكتور..
اختنقت الكلمة في حلقي... فكيف لي أن أساعده على الموت... وليته كان يعلم ما هو الموت وإلى أي مصير سيؤول.. لما تعجل الذهاب ...
انهيت زيارتي وقلبي يدعو الله أن يمد بمعمره ساعات.. لكن الأجل مكتوب..
نادتني الممرضة لأراه فزوجته وأخته بجانبه يطلبونني... دخلت الغرفة وهمست بالسلام على ملائكة الموت.. السلام عليكم يا رسل الله.. ما لنا منكم مهرب.. نظرته فرأيته يختنق... أشار لي بيده... لوح بها بحركة يائسة ونظرة الألم في عينيه الشاخصتين..قلت له بصوت مرتفع سأضع العلاج.. فاعترضت زوجته.. لا يادكتور.. لا نسمح لك..لكنه يا سيدتي الآن يموت.. ولن أقبل بهذا.. لا يا دكتور لن نسمح لك أن تقوم بعكس ما أراد.. نظرت إليه راجيا أن يبدي ما أستطيع تفسيره على أنه طلبا للعلاج... رجوته.. نظرتي كانت تحمل الألم الذي أقرأه في نظرته.. ألمي لموقف ما ظننت نفسي سأقفه يوما.. وحانت منه لحظة من الصحو.. أشار بيده لزوجته... لا علاج.. وسمعت صوته يقول... أرحني يا دكتور.. خفف ألمي... لم أملك إلا أن أطلب من الممرضة أن تضع له جرعة المورفين... ولا أدري أي ألم سيسكن عندما تبدأ الروح بالخروج من الأعضاء كما تنتزع الأشواك الصوف.. تحشرج مرات دقائق طويلة.. ونظر لي .. ثم انتفض ونظر للسماء.. وأسلم روحه لخالقها لمصير لا يعلمه إلا الله.. انفجرت زوجته بالبكاء وتهالكت أوصال الممرضة.. وجرت دموعا غصبا عني.. دموع الألم على موقف لم أملك له شيئا.. مددته على السرير.. وأصلحت من أطرافه التي أخذت شكل الحشرجة الأخيرة..
وأغلقت عينيه ورفعت يدي للسماء طالبا من الله أن يحسن ختامي وأن يخفف عني سكرات الموت وعذابه.. وأن يجعل ملائكة الرحمة بشرى لي بالقبول والثواب.. وخرجت من الغرفة مسلّما على رسل الله... السلام عليكم يا ملائكة الموت... السلام عليكم ورحمة الله..
لا زلت أرى نظرته للسماء وألم خروج روحه رغم محاولتي للتخفيف منه.. ولازلت أحتقر هذه البلاد التي تظن نفسها متقدمة متحضرة ويمنع القانون فيعا الطبيب من المساعدة إذا رفضها المريض... ولازلت أتساءل كل مرة.. وما الذي منعه من البقاء في منزله ليموت هناك بدلا من أن يأتي إلى المشفى ليجبرني على تحمل موته بين يدي.. كأنه يهزأ بي ويسخر من كل حركة قمت بها وسأقوم بها، ظانّا نفسي أنني أعين الناس وأداويهم وأخفف عنهم معاناتهم وآمالهم..
لازال موت هذا ارجل فشلا في حياتي لن أشفى منه أبد.... لحظات الموت التي رأيتها مرارا لم تكن أبدا كهذه.. فقد كنت في كل مرة أعارك وأصارع.. يشغلني العمل والتصميم عن سكرات الموت ورؤيتها...
كأنما أرادني الله أن أمر بهذه التجربة لأرى بعيني تلك السكرات دون أن يشغلني عنها شاغل..
أرى لحظات أقترب منها مع كل ثانية وكل حركة وكل خفقة قلب..


يا موت قد رأيتك...وليس لي إلا الله منجٍ من كربك... اللهم أجرني من هذا الكرب... وأجرني من الكرب الأكبر... إنك نعم المولى ونعم المجير.......
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
abdalkareem
متميز
متميز
avatar

عدد المساهمات : 60
تاريخ التسجيل : 22/02/2008

مُساهمةموضوع: رد: قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......   الأربعاء ديسمبر 24, 2008 10:40 am

abuhakem كتب:


قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......

هذا الموضوع منقول من الوعد الحق جمعت فيه مشاركات saaleh فقط .

الكتابات دائما هي كتابات صالح منقولة.

في قاعة فسيحة اجتمع اليوم ظهرا مئة وبضع المئة من الرجال وعائلاتهم.. نساء وأولادا.. قد اختلفت الأعمار والأسماء.. لكن أمرا واحدا جمع هؤلاء العشرات من الرجال والنساء والأطفال ... كلهم من الشام.. وكلهم ينشد بعض الملامح من عيد الشام ليعيشها مع بضع أهله هنا في غربتنا المريرة.. عسانا ننقل الحب والشوق وصورة الشام لأولادنا.... ننقلها مع الحنين لهذا التراب... ننقلها ونحاول أن نتجنب إظهار المرارة في قلوبنا.. ننقلها مع ابتسامة نخفي خلفها الحزن الدفين ونكتم فيها دمعة حرى..
تصنعنا أننا في الشام.. أنشدنا الأناشيد وسرد بعضنا النكات والطرائف الشامية وضحك الجميع وأكلنا وشربنا وبقينا يومنا في هذا المطعم المنعزل الكبير بين الحقول الفرنسية المترامية الأطراف... يلعب أولادنا تحت أشعة الشمس الضعيفة ونجلس بعضنا بجانب بعض نحاول أن نتذاكر أيامنا ونتبادل أخبارنا..

بعضنا أتى من بعيد ربما بضع مئات من الأكيال.. ليس إلا ليمضي هذه الساعات الست مع إخوة يعرف بعضهم ويجهل بعضا آخر .. لكن القلب يعرف الوجوه ويتحسس الملامح.. ملامح أهل وأحبة.. أتوا من دمشق وحماة وحمص وحلب وبانياس والجزيرة... كلهم في غربة مريرة لا يعلمها إلا الله... قد حملوا أولادهم يحاولون أن يروهم أنه يوجد هنا في قلب فرنسا آخرون مثلهم.. يتكلمون العربية ويعرفون الشام وأهل الشام ويفرحون برؤية أهلهم وأحبابهم..

أمسك أحد الإخوة الأحبة بمكبر الصوت وسألنا: ماذا يعني لكم العيد..

بدأ البعض يجيب.. العيد هو الفرحة... العيد هو طاعة الله... العيد هو عبادة... العيد هو صلة الرحم... العيد... العيد..
طلب مني أحدهم أن أتكلم فرفضت... وكيف أتكلم فأفسد عليهم ابتسامتهم الحزينة وسعادتهم الكسيرة.. ولو تكلمت لبكيت وأبكيتهم....

عدت لبيتي ... فتحت كعادتي صفحات إخوتي فوجدت كلمات من القلب يقولها إخوة مكانهم في القلب... فوجدتني أكلم نفسي وأسألها : وما العيد يا نفسي....... ما العيد... ولماذا هذا الحزن الدفين واللآهة الجريحة التي خرجت من أعماق الأعماق... ثم وجدتني لا أنتظر من نفسي الإجابة .. فعبراتي المسرعة جرت على أخدودها القديم لتفضح عيدي .. عيدي الحزين... وهل العيد إلا عيني أمي ووجوه أطفال أهلي وبلدي... هل هو إلا قاسيون وبردى والعاصي.. وهل أهازيجه إلا عنين النواعير وصيحات الأطفال وأصوات الباعة في سوقنا القديم...
هل العيد إلا مآذن الشام وقبب المساجد وصوت المؤذن وجدران البيوت..
أين أنت يا عيد... أين أرجوحتي وأين رفاقي وأين أهلي وأحبابي... وأين قروش العيدية من أبي الحبيب التي كنت أنتظرها وكأن الدنيا قاطبة ستوضع في يدي..

أين أنت يا عيد... لم يبق لي منك إلا وجوه إخوتي البريئة في هذه الغربة ووجوه أولادهم الأحبة.. وتلك السويعات التي أقضيها معهم أمضي ساعات لأصل إليها ولا تبدأ حتى تنتهي...


عيد بأية حال عدت يا عيد... بغربة تنثر الأحزان وتسود

بحرقة القلب والأيام مسرعة ... بما مضى أم لأمر فيك تجديد....
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
abuhakem
مشرف
مشرف
avatar

عدد المساهمات : 444
تاريخ التسجيل : 30/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......   الأربعاء ديسمبر 24, 2008 10:54 am

abuhakem كتب:


قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......

هذا الموضوع منقول من الوعد الحق جمعت فيه مشاركات saaleh فقط .

الكتابات دائما هي كتابات صالح منقولة.

سأعود للموضوع..

سأعود رغم أنني أدخله قي كل مرة أدخل فيها المنتدى... أفتح نافذة الرد ثم أعود فأغلقها..

هذه المرة لن أغلقها.. من حقكم عليّ أن أكتب بضع كلمات..

لماذا أغلق الموضوع كل مرة دون أن أزيد فيه..
لأنني أبدأ بالكتابة... أجد نفسي أكتب عن الصور الحزينة التي رأيتها... عن هذا المخلوق الضعيف الذي اسمه الإنسان... الذي يتكبر ويتجبر.. حتى يظن نفسه أعلى من السماء.. هذا المخلوق الذي أراه في عملي ضعيفا.. مهانا... مجروحا في كبريائه وشخصه... لا يمر في ذهني إلا تلك القصص التي رأيت فيها هذا الشبح الذي نخافه كلنا وننفر منه داعين الله أن يبعده عنا.. شبح المرض... وشبح الموت...

لن أكتب لكم قصص هذا الشيح ياإخوتي... قصص يزدحم بها ذهني... وكلما أردت أن أكتب ألحّت علي تطلب أن تخرج فأنتفض مغاضبا هاجرا للموضوع ومافيه...

لن أكتب فيه حتى أرى صورا أخرى أضعها لكم فيه


فسامحوني..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
abuhakem
مشرف
مشرف
avatar

عدد المساهمات : 444
تاريخ التسجيل : 30/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......   الأربعاء ديسمبر 24, 2008 10:57 am

abuhakem كتب:


قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......

هذا الموضوع منقول من الوعد الحق جمعت فيه مشاركات saaleh فقط .

الكتابات دائما هي كتابات صالح منقولة.



هل سأكتب عن لحظاتي الصعبة...



كم هي صعبة هذه الحياة... بحلوها ومرها... كم هي صعبة.... ما كنت أظن أن حياة الطبيب ستعرضه لمواقف صعبة...


دخلت كلية الطب وأنا أظن أنني تجاوزت المصاعب وانفتحت أمامي الأبواب... سأكون طبيبا... بكل ما تحمل هذه الكلمة من هالة في ذهن ذلك المراهق ذي الستة عشر وأشهر.. لكنني اكتشفت مع الأيام أن السهلة منها قد فاتتني... أن الحياة الهادئة الرغيدة قد تركتني أمضي وحدي وأن الأيام بدأت تكشر عن أنيابها لتريني بابتسامتها الهادئة أنهاليست كما كنت أظنها أبدا...


قد أعود لأيام الدراسة وصعوبتها... أيام كانت وبقيت أصعب أيام مرت على جيل من أجيال بلدي الحبيب خلال قرن كامل... أيام رأينا فيها أنا وجيلي ما لم يرَ أحد من قبل منذ استقلال سوريا حتى هذه اللحظة..


قد أعود لأيام الدراسة ومرارتها....

وقد أعود للاختصاص والغربة.... أيام كنت فيها أسير خطواتي على الجمر.. ولا أدري هل سأسقط فأضيع أم سأمضي على حرارته وحريق النفس...



قد أعود لأيام الخدمة التي مررت بها في قطعات الجيش وما رأيت فيها من أحداث...


وقد أترك كل هذا وراء ظهري غير آسف وأرسم صورا وردية عن حياة الطبيب واحترام الناس للطبيب ولذة العيش للطبيب والمال الذي يجري بين أنامل الطبيب...


قد أعود وقد لا أعود......

لست أدري.....
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
abuhakem
مشرف
مشرف
avatar

عدد المساهمات : 444
تاريخ التسجيل : 30/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......   الأربعاء ديسمبر 24, 2008 10:59 am

abuhakem كتب:


قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......

هذا الموضوع منقول من الوعد الحق جمعت فيه مشاركات saaleh فقط .

الكتابات دائما هي كتابات صالح منقولة.

إخوتي وأخواتي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أعود لكم لأكتب.. سأكتب وسأبدأ بلحظة صعبة... عصيبة.. مررت بها غصبا عني... لحظة منعني فيها المريض والقانون أن أتحرك

مريض قد شارف الخمسين.. قد حمل على عاتقه تاريخ مرض عضال بقي يصارعه عشرين عاما.. مهندس فرنسي يملك بيتا وعنده ولدين..يعمل في شركة معروفة بمنصب جيد..
رأيته عدة مرات فلم أكن المسؤول عن ملفّه.. لكن مرضه المزمن وتردده على زميلي المرة تلو المرة جعلت الجميع يعرفه.. فحصته مرات عند غياب زميلي.. وتوطدت صلته بالأطباء كما تتوطد الصلة مع الزمن بين كل الناس.. صار يعرفنا ونعرفه... ونعرف أخباره وتفاصيل حياته..

توالت الاختلاطات في مرضه... مزعجة مؤرقة.. لكنها كلها لا تضع حياته بالخطر أو تهدد بكارثة..
أتى ذلك اليوم من أجل اختلاط جديد... بسيط سهل العلاج.. ولكنه يستلزم المكوث في المشفى بضع لأيام.. عرفت لأنه رفض البقاء وغادر المشفى دون أي تفسير وهو أمر غريب مستهجن من مريض واع مثله جعل الجميع يحتار لتمرده المفاجيء على رأي الطبيب وتوجيهاته

كنت غائبا ليومين بعدها وعدت لأتسلم مناوبتي في عطلة نهاية الأسبوع...

جلست في غرفة الأدوية والملفات أسجل ملاحظات على المرضى بينما يقوم زميلي بتلخيص حالتهم ثم ذكر لي اسم مريضنا هذا قائلا: لا تفعل شيء.. دعه يموت.........

ظننته يمزح فابتسمت معترضا... لا يحق لنا أن نمزح هكذا يا زميلي العزيز فتمرد المريض لا يعطينا الحق بالسخرية من حياته..
قال لي: أبدا... أنا لا أمزح.... عاد المريض للمشفى و طلب الدخول دون تقديم العلاج فهو يريد أن يموت في المشفى.. وأنت تعرف أن حالته تسير به للموت إذا لم يتناول العلاج بشكل منتظم كما هي الحال منذ سنين.. وهو يرفض هذا العلاج ويريد أن يموت...
رأيت الدنيا تنقلب للون الأسود..
كيف هذا... وكيف أكون مسؤولا عن إنسان سيموت أمامي...
قال لي: كل الأوراق قانونية وقد قام بترتيب كل أموره مع زوجته ومع المسؤولين ولا يحق لنا أن نمنعه من الموت ولا أن نجبره على تناول العلاج..

فهمت أن الأمر جدي تماما وأن المريض سيموت... توقفت وتركت زميلي وأسرعت لغرفة المريض...
إلـى أي مدى يحق لي أن أسعى به لتغيير رأيه... فهو ليس مسلما ولا ينفع معه المنطق الغيبي.. وعو مقتنع بما يريد.. وكلماتي لن تغير من موقفه ولكنها قد تزيده معاناة وعذابا...وهل يحق لي هذا حتى مع الكافر.. هل يحق لي تركه يموت... وهل يحق لي أن أحاول أن أثنيه عن مراده بوسائل قد تجعل معاناته أضعاف ما هو فيه؟؟ أي كلمة يمكنني قولها.. وأي فكرة أستطيع طرحها..

كلمته لساعات.. كان مستمعا صابرا لكنه كان ينتهي بمنتهى اللطف طالبا مني أن أتوقف عن تعذيبه دون فائدة؟؟

مضى يوم الجمعة..
منعني يوم السبت من فحصه كأنما يريد أن يخفف عني ألمي...أخفى رجفان يديه وحشرجة أنفاسه.. وقابلني بابتسامة هادئة...
اجتمع حوله أقاربه... زوجته وأخته وزوج أخته أما الأولاد فلم يحضروا..
تحدثت مع الجميع دون طائل.. فالقرار قراره وهو لا يريد أن يبقى ليجد نفسه يوما مقعدا عالة... يريد أن يموت وهو مازال إنسانا عاديا يملك كل إمكانياته.. وقد شعر أنه وصل للنقطة الحرجة التي يجب أن يغادر الدنيا عندها..
جلست أبتهل لله.. اللهم أطل عمره وخفف عنه وأبعدني عن هذا الموقف..
صباح الأحد.. الكل حوله.. والممرضات تبكين.. وتوقف القسم عن العمل... تكلمت مع الممرضات وحاولت أن أشد من عزيمتهم... فعشرون مريض ينتظرون العناية بهم في باقي ِالأسِرّة ويجب أن نخفي هذا عن الجميع..

تابعت زيارتي .. وصلت لغرفته... ابتسم لي سائلا بصوت خافت... ألا تساعدني على مغادرتكم يا دكتور..
اختنقت الكلمة في حلقي... فكيف لي أن أساعده على الموت... وليته كان يعلم ما هو الموت وإلى أي مصير سيؤول.. لما تعجل الذهاب ...
انهيت زيارتي وقلبي يدعو الله أن يمد بمعمره ساعات.. لكن الأجل مكتوب..
نادتني الممرضة لأراه فزوجته وأخته بجانبه يطلبونني... دخلت الغرفة وهمست بالسلام على ملائكة الموت.. السلام عليكم يا رسل الله.. ما لنا منكم مهرب.. نظرته فرأيته يختنق... أشار لي بيده... لوح بها بحركة يائسة ونظرة الألم في عينيه الشاخصتين..قلت له بصوت مرتفع سأضع العلاج.. فاعترضت زوجته.. لا يادكتور.. لا نسمح لك..لكنه يا سيدتي الآن يموت.. ولن أقبل بهذا.. لا يا دكتور لن نسمح لك أن تقوم بعكس ما أراد.. نظرت إليه راجيا أن يبدي ما أستطيع تفسيره على أنه طلبا للعلاج... رجوته.. نظرتي كانت تحمل الألم الذي أقرأه في نظرته.. ألمي لموقف ما ظننت نفسي سأقفه يوما.. وحانت منه لحظة من الصحو.. أشار بيده لزوجته... لا علاج.. وسمعت صوته يقول... أرحني يا دكتور.. خفف ألمي... لم أملك إلا أن أطلب من الممرضة أن تضع له جرعة المورفين... ولا أدري أي ألم سيسكن عندما تبدأ الروح بالخروج من الأعضاء كما تنتزع الأشواك الصوف.. تحشرج مرات دقائق طويلة.. ونظر لي .. ثم انتفض ونظر للسماء.. وأسلم روحه لخالقها لمصير لا يعلمه إلا الله.. انفجرت زوجته بالبكاء وتهالكت أوصال الممرضة.. وجرت دموعا غصبا عني.. دموع الألم على موقف لم أملك له شيئا.. مددته على السرير.. وأصلحت من أطرافه التي أخذت شكل الحشرجة الأخيرة..
وأغلقت عينيه ورفعت يدي للسماء طالبا من الله أن يحسن ختامي وأن يخفف عني سكرات الموت وعذابه.. وأن يجعل ملائكة الرحمة بشرى لي بالقبول والثواب.. وخرجت من الغرفة مسلّما على رسل الله... السلام عليكم يا ملائكة الموت... السلام عليكم ورحمة الله..
لا زلت أرى نظرته للسماء وألم خروج روحه رغم محاولتي للتخفيف منه.. ولازلت أحتقر هذه البلاد التي تظن نفسها متقدمة متحضرة ويمنع القانون فيعا الطبيب من المساعدة إذا رفضها المريض... ولازلت أتساءل كل مرة.. وما الذي منعه من البقاء في منزله ليموت هناك بدلا من أن يأتي إلى المشفى ليجبرني على تحمل موته بين يدي.. كأنه يهزأ بي ويسخر من كل حركة قمت بها وسأقوم بها، ظانّا نفسي أنني أعين الناس وأداويهم وأخفف عنهم معاناتهم وآمالهم..
لازال موت هذا ارجل فشلا في حياتي لن أشفى منه أبد.... لحظات الموت التي رأيتها مرارا لم تكن أبدا كهذه.. فقد كنت في كل مرة أعارك وأصارع.. يشغلني العمل والتصميم عن سكرات الموت ورؤيتها...
كأنما أرادني الله أن أمر بهذه التجربة لأرى بعيني تلك السكرات دون أن يشغلني عنها شاغل..
أرى لحظات أقترب منها مع كل ثانية وكل حركة وكل خفقة قلب..


يا موت قد رأيتك...وليس لي إلا الله منجٍ من كربك... اللهم أجرني من هذا الكرب... وأجرني من الكرب الأكبر... إنك نعم المولى ونعم المجير.......
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
abuhakem
مشرف
مشرف
avatar

عدد المساهمات : 444
تاريخ التسجيل : 30/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......   الأربعاء ديسمبر 24, 2008 11:02 am

abuhakem كتب:


قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......

هذا الموضوع منقول من الوعد الحق جمعت فيه مشاركات saaleh فقط .

الكتابات دائما هي كتابات صالح منقولة.

إخوتي وأخواتي

السلام عليكم ورحمة الله

أتعلمون با إخوتي من هو الطبيب... بل ما هو الطبيب... الطبيب هو شيء آلي... مخزن للعلومات... بئر عميق يخفي الأسرار.. قرص مدرج توضع فيه البرامج وتضاف إليه التفاصيل فيستخدم معطيات كثيرة ويركبها واحدة فوق الأخرى حتى يصل للحل... حتى يعطي التقرير:
الخطأ هو كذا
طريقة المتابعة هي كذا
العلاج هو كذا
الإنذار هو كذا

أمر واحد ممنوع..... ممنوع..... ممنوع....

العواطف... المشاعر..
الطبيب هو شيء وليس إنسانا... فالإنسان الذي يضع عواطفه ومشاعره جانبا يفقد إنسانيته ويتحول لآله... لحاسوب... للوح... لأي شيء... ولكنه يبتعد عن اسم الإنسان...

كم من الأطباء يا إخوتي يحتفظ بإنسانيته... كم منهم تبقى في قلبه بعض العواطف وبعض المشاعر..

وفي كل الأحوال فالممنوع يبقى ممنوعا... حتى لو بيقيت المشاعر فلا مكان لإظهارها... لأنها ممنوعات.... ممنوعات....

جروح تفتح وتنكأ.. فتنزف وتنزف... لكنها ممنوعة... تنزف لكن لا يراها أحد... تنزف في قلب الطبيب لكنه ممنوع أن يظهرها...
وأعمق الجروح وأصعبها هي جروح الأحبة والأقارب.. عذابها أشد من العذاب وكتمانها قطعة من الجمر..

أذهب كل سنة لبلدي أزورها... أرى أحبابي والغوالي الذين أعد اللحظات لأراهم... أراهم وفي عيونهم فرحة اللقاءوالسرور بعودتي... وفيها زيادة شيء من الأمل.. الأمل بعلاج للمريض منهم أو بخبر سعيد للعليل المدنف...

وماذا أجد لأقول...
أحبتي .. وابتسامتي لرؤيتهم.. وحزن دفين في قلبي لما هم فيه..

أي اختيار اخترته لدراستي لهذا العلم الذي أتعلم فيه أن أرى معاناة أهلي وأحبتي.. وأي اختبار يختبرني ربي عندما أرى أمامي قطعة مني.. أهلي ودمي.. فأرى ما سيؤولون إليه من المرض وليس لي إلا الطمع بشفاء من رب العزة لعلل أعرف استحالة علاجها..
وأي عذاب مع كل ابتسامة أضعها على فمي وأخفي خلفها حزني وألمي ... لأنه ممنوع... ممنوع.... ممنوع...

وأبقى أعيش بين اللاإحساس والممنوعات....

ولحديثي هذا .. ربما!!!!! ... بقية....
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
abuhakem
مشرف
مشرف
avatar

عدد المساهمات : 444
تاريخ التسجيل : 30/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......   الأربعاء ديسمبر 24, 2008 11:04 am

abuhakem كتب:


قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......

هذا الموضوع منقول من الوعد الحق جمعت فيه مشاركات saaleh فقط .

الكتابات دائما هي كتابات صالح منقولة.

إخوتي وأخواتي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


الأخت الفاضلة زهرة النرجس
إخبار المريض بالحقيقة يضع الطبيب في موقف من أصعب المواقف.. وبفضل الله هو من المواقف النادرة .. فالإصابات الميؤوس منها والتي تحمل المريض إلى الموت السريع نادرة جدا.. وغالبا ما يكون أهل المريض متفهمين للموقف..وهم الذين يطلبون عدم إخباره بالحقيقة ويحاولون تخفيف الأمر عنه..
القانون في أوروبا يفرض على الطبيب أن يخبر المريض بالحقيقة ولكننا لا نطبقه، ونفعل ما يلهمنا الله في كل مرة..

الابنة الفاضلة لما
شكرا لك يا ابنتي الفاضلة لكلماتك الطيبة اللطيفة... وأدعو الله أن يجعل حياتك كلها خير وفضل وتيسير

جزاكم الله كل خير
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
abuhakem
مشرف
مشرف
avatar

عدد المساهمات : 444
تاريخ التسجيل : 30/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......   الأربعاء ديسمبر 24, 2008 11:06 am

abuhakem كتب:


قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......

هذا الموضوع منقول من الوعد الحق جمعت فيه مشاركات saaleh فقط .

الكتابات دائما هي كتابات صالح منقولة.

ماذا؟؟؟؟
مريضة من مواليد 1907؟؟؟؟ من الذي أرسلها لي في العيادة؟؟
نظرت لي السكرتيرة باستغراب!!! إنه مأوى العجزة يا دكتور... يقولون أنها مصابة بقصور كلوي...

أربكني هذا الموعد... رأيت العديد من المسنين منذ وصولي لفرنسا ، حتى أن بعضهم قد تجاوز المئة من السنين ، لكنهم كانوا يأتون للقسم والاستشفاء وليس العيادة..

فُتح الباب وولجت منه سيدة صغيرة الجسد نحيلة تسير بهدوء وعلى رأسها قبعة في منتهى الأناقة ، لا تكاد تتكئ على عكازها ، رداء نظيف ونظرة ثابتة

-صباح الخير يا دكتور

-صباح الخير يا سيدتي، أنت السيدة كامو؟
-نعم يا دكتور...

تفضلي بالجلوس..

جلست السيدة كامو.. وكانت جلستي معها من أمتع ساعات عمري، فأنا أعشق الحديث مع المسنين واستخراج كنوز المعرفة والتجارب عندهم... كيف بسيدة عاشت الحرب العالمية الأولى وتذكر تفاصيلها ، متزنة واعية هادئة ذكية، عمرها قد تجاوز الخامسة والتسعين .

تكلمنا عن التاريخ والحرب والمجتمع والشرق الأوسط، فتحت عينيها باستنكار وقالت بلهجة حازمة هادئة: أتتصور يا دكتور... هذه الدولة العنصرية إسرائيل... وكيف يساعدها الأمريكان والأوروبيون.. وكيف يعيش أهلها في الويلات والشدة..
شعرت أنني تلميذ مبتدئ يجلس بين يدي استاذه.. بل أمام التاريخ والانسانية.. نسيت أنني الطبيب وأن السيدة كامو أتت لتراجعني..

عيادتي مع السيدة كامو استمرت أكثر من ساعة.. وأسفت على انتهائها،

أنا يا دكتور وُلدت في هذه المدينة وغادرتها وأنا شابة.. وأعود إليها الآن بعد أربعين سنة ، أتدري لماذا؟؟؟ لأن كل أصدقاء طفولتي وشبابي كانوا فيها.. ولأنهم ماتوا ودُفني في مقبرتها.. وأريد أن أموت في مدينتي وأن أدفن بجانبهم..

داريت عبرة انفلتت من مقلتي... أين أنا من مسقط رأسي دمشق وأين جسدي من ترابها..

مدام كامو... ستعودين بعد شهرين مع نتائج الفحوص التي وصفتها لك..

كنت أنتظر موعد السيدة كامو... كطفل ينتظر الفسحة.. أجلس معها لتحدثني عن آخر الأخبار.. عن عقلية الفرنسيين وعيوبهم، عن نظرتهم للإسلام والعرب وأسباب تدهورها... أنا يا دكتور مؤمنة بالله... الله الواحد... لا أؤمن بهذا الثالوث الغريب..
لم أجرؤ على عرض الإسلام عليها صراحة فهذا ممنوع أثناء العمل واكتفيت بالحوار وشرح العقيدة عند المسلمين وكأنني أناقش أمرا عاما معها..

السيدة كامو، هل كانت المراجعات ضرورية؟؟ ربما لو كان مريضا غيرها لأطلت الأمد بين المراجعات قليلا...

موعدها الآخير... قارب عمرها المئة... لم تحضر السيدة كامو...
نظرت لعقرب الدقائق.. وشعرت بالقلق يتسلل لنفسي..

لا... لا... إنها بصحة جيدة.. لا بد أن شيئا أخرها..

أرجوك يا فرانسواز أن تتصلي بمأوى العجزة... تأخرت السيدة كامو... لمست السكرتيرة أزرار الهاتف... سألت عنها...

لن تحضر السيدة كامو يا دكتور...

وجدوها على كرسيها وفي يدها كتاب وأعينها مغمضة..

ماتت السيدة كامو...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
abuhakem
مشرف
مشرف
avatar

عدد المساهمات : 444
تاريخ التسجيل : 30/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......   الأربعاء ديسمبر 24, 2008 11:07 am

abuhakem كتب:


قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......

هذا الموضوع منقول من الوعد الحق جمعت فيه مشاركات saaleh فقط .

الكتابات دائما هي كتابات صالح منقولة.

عن ماذا سأحدثكم اليوم
ربما عن أمر لا يعرفه أحد...

الكل ينظر للطبيب بعين الاحترام والتقدير والحسد أو الغبطة...

الكل يفكر كم هو محظوظ هذا الطبيب... عمل نظيف ، احترام... مقام اجتماعي وثقافي ولا أدري ماذا....


هل هذا صحيح....

سأقول لكم الحقيقة... هذا غير صحيح بتاتا...

الطبيب يتعرض كل يوم للتماس المباشر مع قمة الإزعاج المادي والمعنوي..
وسأضرب لكم المثال واضحا...

اليارحة.. كان يوم عطلة في فرنسا.. ولكنني كنت الطبيب المناوب... ذهبت منذ الصباح وبدأت زيارتي المعتادة للمرضى...

الأول عمره 82 سنة أخبرني منذ دخولي لغرفته عن مشكلته في حرقة البول... وكيف أنه اضطر للجلوس ولا أدري ماذا... ثم أخذ يصف لي شكل و لون بوله ورائحته... ... خرجت من غرفته وعلى وجهي ابتسامة صفراء... دخلت غرفة المريض التالي...
امرأة عمرها 75 سنة.. عندها قصور كلوي حاد بسبب الإسهال والإقياء... دخلت الغرفة في لحظة نوبة الإسهال عندها... ولن أصف لكم الهدايا التي تدفقت في كل مكان من حولي... ولن أصف لكم تأثيراتها الخارجية والداخلية... واللوحة البديعة التي لا تزال مرتسمة في مخيلتي...
طبعا يجب أن لا يشعر المريض أنني متضايق أي يجب أن أبقى معه بضع لحظات وأخرج بمنتهى العفوية وكأن شيئا لم يحصل...

التالي...
صعد من قسم العناية المشددة للمتابعة في قسمي... 80 سنة.. نزيف هضمي... مبدئيا حالته مستقرة.. رأيته و الممرض يقوم بدفع الكرسي من بعيد لإيصاله للغرفة... فجأة بدأ بالإقياء... قطع كبيرة من الدم المتخثر... كل قطعة بحجم البرتقالة.. تسبح بدم أسود...
امتلأ قميصه بالإقياء المدمى.. واستمر الممرض بدفعه كأن شيئا لم يكن ثم بدأت المقذوفات الدموية تتطاير على الكرسي وعلى الأرض ... والممرض مستمر كأن شيئا لم يكن وأنا أصرخ به من بعيد دون أن يرد أو يهتم.. حتى وصل للغرفة وقد رسم على الأرض طريقا من الدم والخثرات الكبيرة لأكثر من 20 مترا... أتيت هرولة من بعيد فنظر لي الممرض مدعيا البلاهة: آسف يا دكتور لم أنتبه... شممت رائحة الدم المتخثر ورأيت الخثرات الهلامية على طول الممر لأنني أسرعت لأتصل بالمخدر وطبيب الهضمية وطبيب العناية لإدخاله للعمليات مباشرة... ظننت نفسي قويا.. لكنني شعرت فجأة بالغثيان... حاولت أن أبعد عن أنفي رائحة الإقياء المدمى وصورة الخثرات الهلامية لكنني شعرت أن معدتي تتقلص وتخرج من صدري .. أسرعت لمكتبي وتلاهيت بترتيب المكتب حتى أنسيت نفسي تماما ما حصل ومنعت الغثيان المؤلم..

هل أتابع... هل أذكر لكم كيف بصقت المريضة أمامي وكيف رأيت البلاوي الزرقاء في فم المريضة أم كيف اضطررت لإجراء المس الشرجي عند مريض لم ينظف نفسه منذ سنة أو أكثر أو كيف فحصت أقدام المتشرد أو كيف اضطررت أن أضع فمي على فم الذي توقف قلبه والزبد يخرج منه لإجراء قبلة الحياة ريثما أخذنا البالون والمنفسة.. أو كيف رفعت المريضة ثوبها لأفحصها فتحولت الغرفة فجأة لدورة مياه لم ينظفها أحد منذ شهور... أو.... أو....

سأتوقف... ولا أدري أي موضع وأي احترام وأي عمل يقوم به الطبيب... لا أظنه إلا في أسوأ موضع وأكثره مهانة....
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
abuhakem
مشرف
مشرف
avatar

عدد المساهمات : 444
تاريخ التسجيل : 30/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......   الأربعاء ديسمبر 24, 2008 11:16 am

abuhakem كتب:


قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......

هذا الموضوع منقول من الوعد الحق جمعت فيه مشاركات saaleh فقط .

الكتابات دائما هي كتابات صالح منقولة.

إخوتي وأخواتي..

السلام عليكم ورحمة الله...

منذ دقائق كنت أجلس مع آخر مريض رأيته هذا الصباح... في الخامسة و الستين من عمره كان يقرأ في مجلّة متخصصة بالالكترونيات...
سألته عن طعامه وهل يشعر بالتحسن أم لا.. فمشكلته الصحية صارت واضحة وهي للأسف مشكلة كبيرة جدا لا حل لها إلا بالجراحة ثم العلاج الشعاعي والكيميائي بعدها ... وجلست بجانبه على السرير متبسطا...
ما إن ألحقت سؤالي بابتسامتي حتى بدأ يحدثني وكأنه صديق قديم... انتبهت إليه بكل جوارحي... فانطلق يتكلم عن حياته وما قاسى فيها من مصاعب مادية ومهنية... كيف خسر بيته وعمله وحتى ملابسه الشخصية وكيف استطاع أن يعيش مع ذلك ثم قص علي حيرته بالقرار الذي يجب أن يتخذه بشأن العلاج وأنه ملّ من الدنيا... وأنه لا يرى أي فائدة من حياته وأنه يفضل الموت بمرضه على الدخول في دوامة العلاج والجراحة...

ومع بعض كلمات مني تحول الحديث للروحانيات والأمل والحياة... فأخبرني أنه لا يؤمن بشيء.. وأنه تعب مع أولاده ولكنهم هجروه تماما فهل لا يرى إلا واحدا منهم بين الحين والحين مع أنهم جميعا يسكنون في نفس المدينة... ودمعت عينه وهو يقول لي أنه لم يرَ ابنته الوحيدة منذ أكثر من 15 سنة ولا تريد أن تأتي لزيارته وهو على مشارف الموت ...
ثم أخبرني بضيق ذات يده... والمبلغ البسيط الذي يتقاضاه كراتب تقاعدي... وأنه فقد الأممل بكل شيء...

ثم قال لي أنه خائف..... خائف من كل شيء... خائف من العملية وخائف من عدم القيام بها وخائف من المستقبل...

ثم قال لي بصراحة أنه خائف من الموت... لا يدري كيف سيكون...

فكرت بعد أن غادرت مريضي ببلدي وأهلها... فكرت بمن يموت فيها لأنه لا يملك ثمن العلاج...
فكرت بمن يهرم ويشيخ فيتخلى عنه أبناؤه وينسون تعبه وتضحيته... وتأسفت على الذرية الصالحة التي تنقص في بلادنا يوما بعد يوم...

ثم سرت الرهبة في قلبي عندما تذكرت الموت... ومن منا لا يخافه... فهو اليقين الذي نهرب منه... لكنه بالنسبة لنا ليس المجهول الذي يراه هذا الملحد... بل هو الأمل الوحيد للجزاء بعد الصبر والفرج بعد الكرب والجنة بعد المعاناة والراحة بعد التعب ...

مسكين هذا المريض... فهو خائف ولا يجد في قلبه مايدله على غاية حياته إلا المتعة التي فقدها... لا يجد الإيمان بالخالق العظيم الجبار البارئ ... لا يجد حلاوة الاستسلام للقدر بعد الأخذ بالأسباب... لا يجد حب الله ولذة تلاوة كلماته... لا يجد سنة رسول الله ولا الاطمئنان لحديثه..

مسكين مريضي هذا...
اللهم نسألك العفو والعافية... والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
abuhakem
مشرف
مشرف
avatar

عدد المساهمات : 444
تاريخ التسجيل : 30/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......   الأربعاء ديسمبر 24, 2008 11:20 am

abuhakem كتب:


قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......

هذا الموضوع منقول من الوعد الحق جمعت فيه مشاركات saaleh فقط .

الكتابات دائما هي كتابات صالح منقولة.

اليوم مر بي حادث لم يمر مثله أبدا..

اليوم اختفيت خلف الباب حتى لا أضطر لمواجهة الموقف... اكتشفت أنني ضعيف .. ضعيف جدا..
كنت خارجا من المبنى فرأيتهما أمامي خارجتين منه... التصقت أرجلي بالارض ولم أعد قادرا على التقدم... وما هي إلا لحظات حتى وجدت نفسي أتراجع ليخفيني الباب فأرقبهما دون أن تلاحظاني...

كان الأم تمسك بيد ابنتها ذات الخمسة عشر عاما... تتقدم البنت بخطوات مضطربة.. ثم تصل لحافة الرصيف ثم تنزل للساحة لتمشي خطوات تدل على مصابها... قد فقدت البصر ولا أمل لها في الشفاء..
تذكرت تلك المريضة منذ سنة عندما أحضرتها أمها وهي خائفة وجلة... رآها زميلي ثم أخبرني أن البنت مصابة بنوع نادر جدا من أورام الدماغ قد بدأ يضغط على التصالب البصري وقد بدأ يدب فيها العمى...

ثم تذكرت قصتها والجراحات التي أجريت لها بيد أمهر الأساتذة منذ عدة أشهر ثم نكس الورم وانتشاره في كل مكان...

رأيت أمها عدة مرات بعد هذا.. فهي ممرضة في القسم عندنا... رأيتها صابرة متماسكة... وفي كل مرة كنت أجد نفسي أدعو وأدعو ... أتزلف إلى الله أن يشفي تلك الطفلة ويهديها... لكنني علمت فيما بعد أنه لا أمل بأي شفاء... والبنت الضريرة تعيش على مسكنات الألم وعناية أمها...

لكنني لم أظن أنني سأحزن كحزني عندما رأيتها اليوم... تمشي بخطواتها المضطربة طفلة في الخامسة عشر... أصابها ورم نادر في مركز دماغها... ولم يمهلها حتى سلبها بصرها... وربما لن تلبث قليلا حتى تفارق الدنيا...

اللهم اشف مرضى المسلمين ... واحفظ أبناءنا من كل ضرر.. واشف كل مريض من أطفال العالم واهدهم للصراط المستقيم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
abuhakem
مشرف
مشرف
avatar

عدد المساهمات : 444
تاريخ التسجيل : 30/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......   الأربعاء ديسمبر 24, 2008 11:22 am

abuhakem كتب:


قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......

هذا الموضوع منقول من الوعد الحق جمعت فيه مشاركات saaleh فقط .

الكتابات دائما هي كتابات صالح منقولة.

هل ساتابع حياتي كطبيب..
سؤال مازال يتردد في قلبي وعقلي منذ عشرين سنة.. يخبوا حينا وأنساه ثم يعود حاضرا عند كل مفصل من مفاصل عمري وكل حدث جديد...

هل سأعيش ما بقي أرتدي ذالك الرداء الأبيض.. أضع سماعتي في جيبي وقلمي بيدي .. أخرج لأمسك معصم المريض ولأصغي صدره ثم لأبحث في الأرقام والصور الشعاعية أكتب الدواء والتحاليل في وصفاتي .. أرى المريض وأقرأ معاناته.. أخفي ما أرى.. أحسب كل كلمة تخرج من فمي... ثم أنتظر نتائج تحز في قلبي كالمدى...


سبحان الله.. كيف كانت صورة الطبيب في ذهني قبل أن أعيشها وكيف رأيت حقيقة الأطباء ... ليس حقيقة حياتي وإنما حقيقة غيري... حقيقة بعض الصور التي كنت أرى حولها هالة من العظمة فوجدتها فارغة لا تحوي سوى الجشع ولا تبحث إلا عمّا يشبع طمعها..


.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
abuhakem
مشرف
مشرف
avatar

عدد المساهمات : 444
تاريخ التسجيل : 30/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......   الأربعاء ديسمبر 24, 2008 11:25 am

abuhakem كتب:


قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......

هذا الموضوع منقول من الوعد الحق جمعت فيه مشاركات saaleh فقط .

الكتابات دائما هي كتابات صالح منقولة.

وضعت يدي على معصمه وسألته السؤال نفسه,, سؤالا لازلت أردده.. لكنني في كل مرة أحاول أن أحمل فيه حرارة واهتماما كأنني أطرحه لأول مرة...

قل لي يا دكتور.. هل شفيتُ من مرضي...ألجمني سؤاله... نفس السؤال منذ أسابيع.. وفي كل مرة أشرح له لدقائق طويلة ما هو مرضه وكيف يتقدم العلاج وما الغاية منه.. وفي كل مرة أنتهي للتأكيد أن العلاج لن يشفيه بل سيسمح له بالحياة بشكل مقبول... لكن سؤاله يعود.. ربما ليقطع في جدران قلبي.. وليجعل الجواب المتكرر يحمل غصة لا يحس بها أحد سواي.. ولينغرس ذلك الخنجر في قلبي لا يحس بألمه أحد سواي.. ألم أخفيه وأعض ليه... وأرسم ابتسامة على وجهي وأردد ثانية نفس الإجابة... لكن يجب ألاّ يشعر.. يجب أن أخفيها.. يجب أن أخفي تلك الغصة التي تحرق قلبي و تلك المرارة في لحن صوتي الذي أرسم فوقها سعادة لا أملك منها إلا أمنيتي أن أبث بعض الأمل في قلب مريضي.. عسى أن أخفف عنه ألمه.. وأريح شيئا من عبء السقم الذي سيعيش معه سنين طويلة..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
قصص وحكايات من أيام وتجارب طبيب مسلم......
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 2انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
Arab Knights :: صلوحيات-
انتقل الى: